د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **
منذ تولّي جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم مقاليد الحكم في البلاد، اتّضح أن عُمان دخلت مرحلة جديدة لا تقوم على معالجة التحديات الآنية فحسب، بل على إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواردها ومؤسساتها ومواطنيها على أسس أكثر توازنًا وواقعية. لم يكن هذا التحول استجابةً ظرفية أو "خطة إسعافية"، بل مشروعًا متكاملًا استوعب تعقيدات اللحظة، وأعاد ترتيب الأولويات بصرامة مالية وعقلية مؤسساتية راسخة، من دون أن يتخلى عن البعد الاجتماعي أو الرؤية بعيدة المدى.
وخلال ست سنوات فقط، تحركت عُمان عبر مسارات كبرى ومتداخلة: انضباط مالي أعاد الثقة بالاقتصاد الوطني، تحديث تشريعي وإداري اختصر المسافات بين القرار والمواطن، بناء منظومة حماية اجتماعية حديثة، تنويع مدروس لاقتصاد الطاقة بعيدًا عن تقلبات أسعار النفط، وتطوير للبنية الأساسية ينسجم مع الجغرافيا العُمانية بدل أن يتجاهلها.
التخطيط المالي: من منطق التمنّي إلى ثقافة الانضباط
لعل التحول الأهم لم يكن مجرد خفضٍ في بنود الميزانية، بل إعادة تعريف فلسفة الإنفاق العام نفسها. فقد بات الإنفاق يُنظر إليه كأداة لتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس، لا كاستجابة آنية للضغوط. وفي الوقت ذاته، جرى توسيع قاعدة الإيرادات بطريقة متوازنة لم تُقوّض النمو الاقتصادي. هذا التحول حرّر القرار المالي من الارتهان الكامل للدورة النفطية، ووجّه الفوائض نحو إعادة هيكلة الدين العام وتقليص آجاله بدل الانخراط في توسّع غير محسوب. وعندما تستعيد السلطنة تصنيفها الائتماني ضمن فئة الاستثمار، فإنَّ ذلك يُقرأ بوصفه شهادة ثقة في منظومة الحوكمة، لا مجرد رقم في تقارير المؤسسات الدولية.
التشريع والإدارة: دولة أكثر رشاقة وقربًا من المواطن
لم يكن التحديث التشريعي تجميليًا أو شكليًا، بل مسعى حقيقيًا لترسيخ سيادة القانون، وتعزيز استقلال القضاء، وتوضيح العلاقة بين السلطات، إلى جانب تنظيم أدق لدور مجلس عُمان وصلاحياته. وعلى المستوى الإداري، أسهمت إعادة هيكلة الجهاز الحكومي ودمج الاختصاصات المتشابهة في تقليص الازدواجية وتحسين كفاءة الأداء. كما انتقلت اللامركزية من إطار الخطاب إلى واقع قانوني يمنح المحافظات دورًا فعليًا في تخطيط مشاريعها وإدارة مواردها ومتابعة تنفيذ خططها التنموية، بما يقرّب التنمية من المواطن ويجعلها أكثر التصاقًا باحتياجاته. وفي هذا السياق، جاءت الرقمنة – ومن بينها تجربة الانتخابات الإلكترونية – لتُؤكد كيف يمكن للتقنية أن تعزّز الشفافية وتوسّع المشاركة وتخفف الأعباء الإجرائية.
الحماية الاجتماعية وسوق العمل: شبكة أمان واقتصاد قابل للتكيّف
في عالم يُعيد النظر في نماذجه الاجتماعية تحت ضغط الأزمات، اختارت عُمان بناء مظلة حماية اجتماعية موحّدة تدمج أنظمة التقاعد والتأمين ضمن إطار مؤسسي واضح. الهدف لم يكن إنشاء كيان جديد فحسب، بل توحيد الرؤية الإدارية لشبكة الأمان الاجتماعي، وقياس أثرها، وتعديل مسارها عند الحاجة. وعلى خط موازٍ، جاء قانون العمل بروح أكثر حداثة توازن بين متطلبات الإنتاج وحماية الإنسان: تنظيم أكثر عدالة لساعات العمل، إجازات مرضية واقعية، إجازة أبوة تعكس فهمًا أعمق لمسؤوليات الأسرة، وإطار واضح لإنهاء الخدمة لأسباب اقتصادية يضمن الشفافية والإنصاف. هذه البيئة القانونية لا تجذب الاستثمار فقط، بل تعزز ثقة العامل وتشجعه على الإنتاج.
الطاقة المتجددة: خيار استراتيجي لا ترف بيئي
التحول في قطاع الطاقة لم يُطرح بوصفه استجابةً لشعارات بيئية، بل كخيار استراتيجي للأمن الاقتصادي طويل الأمد. فالالتزام بالحياد الكربوني جاء مقرونًا بالاستثمار في مزايا طبيعية حقيقية تمتلكها السلطنة، مثل وفرة الشمس والرياح، إلى جانب بنية تشريعية قادرة على تنظيم قطاع ناشئ. وقد أسهم تأسيس كيان متخصص للهيدروجين الأخضر، واعتماد آليات تنافسية لتخصيص الأراضي، في جذب شركاء دوليين ووضع عُمان على خريطة إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة. والأهم أن هذا القطاع بات جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع تغذي الصناعات الثقيلة، وتخلق سلاسل قيمة في الموانئ واللوجستيات والبحث والتطوير، محوّلًا الطاقة المتجددة من فكرة نظرية إلى منتج اقتصادي ملموس.
البنية الأساسية والربط الإقليمي: ما بعد الطرق التقليدية
لا يمكن لاقتصاد يسعى إلى التنويع أن يظل حبيس شبكات النقل التقليدية. وفي هذا الإطار، يبرز مشروع السكك الحديدية العابرة للحدود كخطوة استراتيجية تختصر الزمن والكلفة، وتعيد تشكيل حركة البضائع والركاب، وتحوّل الموانئ إلى منصات إقليمية فاعلة. فالقيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في البنية المادية وحدها، بل في رمزيته الاقتصادية: عُمان تنخرط في نموذج جديد من التكامل الإقليمي تصبح فيه سلاسل الإمداد جزءًا من التخطيط الاقتصادي المدروس، لا رهينة للظروف.
ما وراء العناوين: سردية واحدة لمرحلة مفصلية
عند النظر إلى هذه المسارات مجتمعة، تتشكل صورة دولة تدير حاضرها بعقل مالي منضبط، وتُصلح مؤسساتها بقوانين قابلة للتنفيذ، وتحصّن مجتمعها بشبكة أمان شاملة، وتستثمر بثقة في اقتصاد المستقبل، وتفتح آفاقًا جديدة للحركة والتكامل. قوة هذه المرحلة أنها قابلة للقياس: مؤشرات مالية إيجابية، تشريعات تُنفّذ على أرض الواقع، منظومة اجتماعية أكثر تماسكًا، مشاريع طاقة نوعية، ومشروعات بنية أساسية تنتقل من الورق إلى التنفيذ.
صحيحٌ أن الطريق لا يخلو من التحديات، سواء في وتيرة التنفيذ أو إدارة التمويل أو ضبط التوقعات، إلا أن الفارق اليوم يتمثل في امتلاك الدولة لمنظومة متكاملة من السياسات الواضحة، والمؤسسات المحدثة، والشراكات المنفتحة، ومجتمع يرى في الإصلاح وعدًا قابلًا للتحقق. وبهذا المعنى، تبدو السنوات الست الأولى من العهد الجديد – بهدوئها المؤسسي ورصانتها العملية – من أقرب الفترات في التاريخ العُماني الحديث إلى نموذج "الدولة الفاعلة": دولة تتقن الحساب، وتجيد التشريع، وتجرؤ على الاستثمار، وتبني جسورًا تتجاوز الجغرافيا نحو مستقبل يتسع للطموح.
وفي الختام، لا يمكن فصل هذا المسار المتجدد عن الأساس الراسخ الذي أرساه السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- والذي واصل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم البناء عليه بروح التجديد والإتقان. ولعل السمة الأبرز لهذه المسيرة منذ انطلاقتها في عام 1970 وحتى اليوم هي انحيازها الدائم للمواطن والوطن؛ انحيازا يجعل الإنسان جوهر التنمية وغايتها، ويمنح عُمان مكانتها المستحقة بوصفها دولةً تراهن على الإنسان قبل كل شيء.
** باحث أكاديمي
